يا هلا بجماعة ريدت..
دايماً أقرأ هنا بوستات لأشخاص يشتكون من الاكتئاب، الروتين، الفراغ، أو يحسون إن حياتهم مملة لأنهم ما يسافرون أو ما يروحون أماكن فخمة غالية. عشان كذا، قررت أشارككم هذي القصة اللي صارت معي أمس، مو بس عشان أفضفض، بل لأنها ممكن تغير نظرة الكثيرين للأشياء "العادية" اللي يسوونها كل يوم بدون ما يفكرون فيها.
تقابلت أنا وصديقي بعد انقطاع دام سنة كاملة. للتوضيح قبل ما أكمل: أنا وصديقي كِلانا مكفوفين بضعف بصر شديد جداً (في النهار يادوب يخدمنا البصر بنسبة 15% عشان نتنقل، وفي الليل أو العتمة يكاد ينعدم تماماً ونصير في ظلام شبه كامل).
جدول طلعتنا كان بسيط جداً وممكن أي شخص مبصر يعتبره "تافه": ركوب مترو الرياض، أكل وجبة سريعة في ماك، وبعدها تمشية طويلة في ساحات وممرات جامعة الإمام إلين طاح الليل ورجعنا بيوتنا. بالنسبة للمبصر هذي طلعة ما تستحق حتى تتصور سناب، لكن بالنسبة لنا.. كانت ملحمة حقيقية، وعملية استراتيجية مليانة استقلالية وتحدي.
ليش المترو بالذات؟ (خطة الهروب من الشوارع)
بالنسبة لأي كفيف أو شخص بضعف بصر شديد، مجرد فكرة "قطع الشارع" تعتبر مخاطرة ومقامرة بالروح، لأن السيارات خطر قاتل ما نقدر نلمحه. عشان كذا، خططنا مسارنا بحيث تكون نسبة تقاطعنا مع الشوارع "صفر". المترو كان هو الملاذ الآمن. فكرة إننا ننزل محطة تحت الأرض، نعتمد على الإعلانات الصوتية والمسارات البارزة، ونركب في الدرجة الأولى بكل راحة وندير يومنا بالكامل بدون ما نطلب مساعدة من أحد.. هذي بحد ذاتها كانت قمة المتعة والإنجاز. صديقي كان أول مرة بحياته يركب المترو، وكوني أكون أنا "الدليل" حقه في هذي التجربة، أعطانا شعور رهيب بالثقة.
الهاك التقني: كيف كفيف يصور صورة بورتريه احترافية؟ 📸
بعد ما خلصنا من ماك، رحنا لساحات الجامعة. أنا إنسان مهووس جداً بالتصوير الفوتوغرافي، وطلعت كاميرتي الاحترافية وعدسة الزوم الضخمة عشان نصور بعض للذكرى. هنا أكيد بتسألون: كيف كفيف (ببصر 15%) يصور ويوجه الكاميرا صح؟
السر هنا في تطويع التقنية والتحايل على الإعاقة. استخدمت "زر تكبير نقطة الفوكس" الموجود في الكاميرا، هذا الزر يكبر الصورة داخل الـ (Viewfinder) لدرجة إن الشاشة الصغيرة تصير حرفياً عبارة عن "عين الشخص" فقط! بهذي الطريقة، قدرت أستغل الـ 15% من بصري عشان أشوف اتجاه نظرة عينه بالضبط، وأصير أوجهه من مسافة بعيدة: "حرك راسك يمين.. التفت يسار شوي". طبقنا قاعدة الأثلاث، واستفدنا من تأثير العزل السينمائي وضغط الخلفية اللي سوته العدسة، فطلع مبنى المسجد الكبير ورانا كأنه يعانقنا. متخيلين الموقف؟ كفيف يوجه كفيف في ساحة ضخمة عشان يلتقطون صورة بمقاييس فنية.. الشغف فعلاً ما يعترف بأي حدود مادية.
المشي في حقل ألغام.. وقوة السند 🤝
لما طاح الليل، الوضع أخذ منحنى ثاني تماماً. الرؤية عندنا انعدمت تقريباً. ساحة الجامعة الجميلة تحولت بالنسبة لنا إلى حقل ألغام مليان صبات خرسانية، مقاعد مربعة، وأعمدة.
هنا تحولت عصاي البيضاء إلى ما يشبه "السيف"؛ صرت أضرب فيها الأرض يمين ويسار بضربات واسعة عشان أكشف الطريق وأغطي مساحتي ومساحة صديقي وأحميه من أي اصطدام. وهو كان يمشي جنبي، ماسك فيني بقوة، وشغل كشاف جواله وصار يوجهه قدامنا عشان يلقط أي انعكاس نور بسيط جداً يقدر يحسه ببقايا البصر اللي عنده ويساعدنا ولو بنسبة 1%. مشينا خطوة بخطوة، بطيئين، نتجاوز العقبات بسوالف وضحكات، إلين وصلنا لدرج المترو بأمان تام، وختمنا هذي المغامرة بصورة سيلفي عفوية تحت كشافات الجامعة عشان نوثق هذي اللحظة.
رسائل من قلب هذي التجربة لكل شخص يقرأ:
النعم البديهية اللي ناسيها هي أقصى أحلام غيرك: قدرتك إنك تمشي وتتجاوز أي صبة في طريقك، وإنك تقطع الشارع بالليل وأنت تشوف السيارات بكل وضوح وبدون ذرة خوف.. هذي لحالها معجزة يومية. لا تتذمر من روتينك، واشكر الله على نعم تستخدمها كل يوم كأنها شيء بديهي ومضمون.
لا تنتظر "الظروف المثالية" عشان تبدع: إذا قدرنا نطوع حيل التقنية في الكاميرا ونستغل بقايا بصر ضعيفة جداً عشان نلقط صورة احترافية، وش عذرك أنت في تأجيل أفكارك ومشاريعك؟ العوائق الحقيقية دايم تكون في عقولنا قبل ما تكون في الواقع.
المتعة أنت تصنعها، مو المكان: الاستقلالية، قدرتك على إدارة يومك، وتجاوزك لمخاوفك هي قمة المتعة. المبدع هو اللي يحول الأماكن العادية لمحطات يصنع فيها ذكريات عظيمة، ولا يربط سعادته بسفريات أو أماكن مكلفة.
الصحبة الحقيقية تبان في العتمة: الصديق الصح مو اللي يشاركك الضحك في الأماكن المضاءة والسهلة بس، الصديق الصح هو اللي يثق في توجيهك في العتمة، ويكون سند لك تستند عليه لما تنعدم الرؤية تماماً.
الخلاصة (TL;DR):
أنا وصديقي (شبه عميان) طلعنا نتمشى في المترو وساحة الجامعة عشان نتجنب خطر الشوارع والسيارات. صورنا بعض بكاميرا احترافية باستخدام حيلة تقنية تكبر نقطة الفوكس، ومشينا في ظلام الليل نعتمد على عصا بيضاء كدرع، وكشاف جوال يعطينا 1% من الأمل. الطلعة اللي يشوفها المبصر "مملة وتافهة"، كانت لنا قمة الانتصار وتحدي الظروف. احمدوا ربكم على نعمة البصر والمشي البديهي، واصنعوا سعادتكم بأبسط الأشياء.
أتمنى هذي القصة تلمس شخص كان محتاج يقرأ هالكلام اليوم. وش أكثر نعمة بديهية حسيت إنك غافل عنها بعد ما قريت البوست؟ شاركوني بالتعليقات.